أذكر أنك في يومهنّ العظيم، بكيت.. بكيت بكاءً لم يسبق لي أن رأيته على وجهِ رجُل! لم أعرف عن دموع الرجال قبل ذاك اليوم أي شيء إلا حين رأيتُك تبكِي يُتمك وأنت في الثمانين من عُمرك! تبكِي يُتمك في يوم الأمهات مع بناتك وأحفادك! بكيت يا حبيبي وما أغلى دموعك، وأغلاك منك عرفت الدموع وعرفت معناها معنى أن نذرف عمرًا من الدموع! منك عرفتُ البلاد، كلّ البلاد، بلادك التي فقدت، والتي عرفت، ثم الشتات واليُتم، لا مرةً بل مرّتين! يُتم العائلة ويُتم البلاد، عندما فقدتهما، محمود ومهيرج الأبّ والأم "الأملح" على الاطلاق، ثم عندما هجّروك من البلاد ودائمًا عندما أصحو وأنام وأعرف أنك على الأقل لستَ معي، هنا على ظاهرِ الارض تمشِي! لكنك نجحت في العائلة رغم أنك لم تَصْحُو على معناها، نجحت في أن تكون الأب دائمًا وأنت لم تعرفه أو تلاقه، نجحت في أن تُذكّرني وتُعرّفني على البلاد، كلُّ البلاد، حتى تلك التي لم أزُرها يومًا ولم أعرفها إلا منك نجحت في كل الأمورِ التي فقدت وهذا أعظم ما فيكِ وأكملُ مافي الرجولة! لم تكُن الحكاية يومًا لتكون عنك لانك كنت القاصّ دائمًا! لولا أن الفقد اختارك وعلّم على قلبي، فصرت ا...
المشاركات
عرض المشاركات من فبراير, 2025
17-8-2022
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
يمرون بك كثيرًا أولئك الذين تفتح لهم قلبك في كل الجهات والأماكن على الأرصفة وفي الممرات، في أضيق الأماكن وأوسعها، تحت غيمة، وفي براح ظلّ حينما لم تسع الأرض فرحتكما.. و حينما طغت نبرة الحزن في صوتِ واحدٍ منكم، كان الآخر يُصيّر مجرى الهواء إلى أُذنٍ تُصْغي، فقط تُصْغي! في أضيق الأماكن التي صيّرتماها أنتما واحة، لأن السرّ فيكما أنتما في عز البرد، حينما كان دفء أحدكما يكفي لجلسة على الرصيف ويكفي لأن يظلّ ما بينكما متقدًا تعرفانه بدون أن تقولا ذلك في قهر الحر وتحت أشِّعة شمسه، والجمع الصاخب حولكما يتلوى، إلا أنتما! كان ما بينكما يحول بين الحَرّ والصخَب والجمع أصلًا! حين كان ما بينكما كل الأيادي والمعاطف، والجَمع، والهواء العليل الذي عزّاكما عن أي منغّصات! كان ما بينكما يعزلكما عن أي قهر! كان ما بينكما فيما مضى في أوْجِه، أوضح حتى من أن تبذل لرؤيته بعضًا من نظرك! عندما كان ما بينكما يُقاس في الحضور والوجود، كنت تعرف أني هنا وأني موجود حين كان ما بينكما مسافة من كلمات تذوب مع أوّل سلام! يمرون بك كثيرًا من لا يعرفون كم تبدو مهمة فتح الباب واغلاقه، صعبة وشاقّة.. يمرون بك كثيرًا.. من لا يعرفون...