أذكر أنك في يومهنّ العظيم، بكيت..
بكيت بكاءً لم يسبق لي أن رأيته على وجهِ رجُل!
لم أعرف عن دموع الرجال قبل ذاك اليوم أي شيء إلا حين رأيتُك تبكِي يُتمك وأنت في الثمانين من عُمرك!
تبكِي يُتمك في يوم الأمهات مع بناتك وأحفادك!
بكيت يا حبيبي وما أغلى دموعك، وأغلاك
منك عرفت الدموع وعرفت معناها
معنى أن نذرف عمرًا من الدموع!
منك عرفتُ البلاد، كلّ البلاد، بلادك التي فقدت، والتي عرفت، ثم الشتات
واليُتم، لا مرةً بل مرّتين!
يُتم العائلة ويُتم البلاد، عندما فقدتهما، محمود ومهيرج الأبّ والأم "الأملح" على الاطلاق، ثم عندما هجّروك من البلاد
ودائمًا عندما أصحو وأنام وأعرف أنك على الأقل لستَ معي، هنا على ظاهرِ الارض تمشِي!
لكنك نجحت في العائلة رغم أنك لم تَصْحُو على معناها، نجحت في أن تكون الأب دائمًا وأنت لم تعرفه أو تلاقه، نجحت في أن تُذكّرني وتُعرّفني على البلاد، كلُّ البلاد، حتى تلك التي لم أزُرها يومًا ولم أعرفها إلا منك
نجحت في كل الأمورِ التي فقدت وهذا أعظم ما فيكِ وأكملُ مافي الرجولة!
لم تكُن الحكاية يومًا لتكون عنك لانك كنت القاصّ دائمًا!
لولا أن الفقد اختارك وعلّم على قلبي، فصرت الحكاية!
عرّفني الموت على الحياة من خلالك
منك عرفتُ الأبوة، عرفت الرجل الأبهى والأوفى!
عرفتُ الصادق الثابت الذي اختار النهاية واختارته.
كنت الفاقد العارف لمرارة الفقد والمُداوي لها
كنت الاسرع في قضاء الحاجات، لأنك تعرف مُرّ الحاجة والطلب
______________________________________
عزيزي..
منذُ وفاتك وأنا اشدو بلحظاتك التي لا تُنسى
أُغنيها أحيانًا وأتذوقها، كأنك هنا معي!
طعم الذكريات التي تركت مُرّ وحارّ يُشبه الزعتر الفلسطيني
لكن طعم غيابك أكثرُ مرارة!
تركتْ وراءك أشياء كثيرة لِأبكيها، هذه الدموع الغزيرة والعزيزة في آنٍ معًا!
غزيرة لأنها ليست في وقتها، وكل ما ليسَ في وقته غزير فوق المعقول، وعزيزة لانها لك وعنك
عزيزي تركت وراءك ابتسامات وبكاءات تودُّ أن تتوسد كَتفك كما عوّدتنا وتنتظر كلماتك المُهونة آلامنا
هذا الشتاء الذي يحتاجُك لتُكمله، يحتاجك لتكون ضيفه الأول قبلَ الأبيض
الاشياء هنا تنتظرك بمشهدها المؤلم، شاخت تنتظرُ لمستك ومرورك ورويّك كأنها تقف منذُ ألف عام أو يزيد!
الكل هُنا يمثل مشهد الجلوس بإتقان ولكننا مذ رحلت أنهَكنا الوقوف!
حتى هي _ابنتك_ تمتهنُ الكذب لكنها حزينة، متعبة،
تود لو تذوب في إحدى عباءاتك أو كلماتك التي تكررها دون وعي منها انها لك!
إننا عند رحيلِ من نُحبّ نتشبثُ ببقاياهم
آخر ما قالوه وأحبوه، آخر وصاياهم، وآخر أسئلتهم، تلك التي يصبحُ لنا معها ثأرٌ شخصيّ
استيقظُ كلّ يوم ورائحتك تلُفُّني، أُحضّر الشاي، وانتظرك لتطرق الباب، لكنّك في مكانٍ لا يعرفُ الأبواب!
- نُسيبة، حفيدتُكَ المُحبّة
21/5/2023 وعدتك أن أبكي في الطواف قلت لك إنني لن أمنع الدموع كما أفعل دائما مع الناس ومع نفسي، احبس دموعي حتى عن نفسي، ومعها! قلت لك إنني لن أحجزها ولن أمسكها، أو حتى اؤجلها! قلت لك أيضًا إنني انتظر هذا اليوم، حتى أبكي واحكي! وعدتك ببكاءٍ ودموع! قلت لك: إن البكاء في بيتك هو إحدى لحظاتي الثمينة المُنتظرة! وأني انتظرت هذا اليوم منذ سنوات قليلة نعم لكنها كثيرة! وقلت: إنّ قلبي سيتسّع مع الأعوام وسيكبُر، وسَيقدر هذا القلب الذي تُباغتُهُ دموعه مرّة، ويَضحكُها مرّات على هذا الكون بأسره! سيقدر! سَيحرصُ ببطولة على دموع الآخرين ثم سيبكي كثيرًا في نهاية اليوم، على ما حصدهُ وجمعهُ من دموعٍ ليست له! سَيُرمم كثيرًا من الأرواح التي مَرّها ويتناسى ما ينخر في روحِه! سيتعامل وكأن شفاء جُروح الآخرين بطولته وينسى جرحه الغائر! سَيُلوّحُ كثيرًا كأنه يعرف كل مَنْ غاب عن اللحظة، هو الذي لم تُرفع له أي يد كانت تنوي السلام. سيعرف طعم الألم ويرومه، ويفتي بشاعريتهِ أحيانًا، ويتقبّله كأنهُ كل ما في صورةٍ غاب أصحابها. سيعرف، وهذه مصيبته، أنه بالفعل يعرف، أن ما مِن حياة من دون ألم! من دون بكاء! أو وداع أو تلو...
تعليقات
إرسال تعليق