نصّ ضروريّ
أنا ايضًا اخاف ان اعود لأيام مظلمة، طرقت فيها كل الأبواب، حتى يساعدني فيها أحد
اخاف ان التفت
أخاف أن أحدّق
اخاف الوراء والأمام!
اخاف كل الزوايا والاتجاهات، وأخافك!
اخافك لأن أحدا طيلة هذا العمر لم يدخل قلبي كما فعلتْ
ولاني أعرف أثرك في قلبي وأثرك علي
ولانني اعتدت الخوف ممن أحبهم، خفتك!
خفتك رغم رقتك الواضحة، مثل شفرة على جلد!
وأعرف كيف نكتشف في النهاية أن اشياء احببناها حد الجنون لم تكن إلا أصنامًا، لا تملك من أمرها شيئًا
لا تُعبد ولا تؤكل ولا تُهدم!
خفتك حد أني ادّعيت انك لا تعني لي، مع انك كنت كل ما لديّ!
كنت كل ما تملكه قبضة يدي، قبضة يدي التي خجلت منك وهربت وأفلتتك
كنت كل ما أغلق قلبي عليه كما تفعل صدفة على بحر
بل حتى كما يود قارب في لجّة البحر النجاة، وددت ذلك، من أجلك أنت
وددت لو أني سيطرت على لجّة القلق، من أجلك، لو أني ابتلعتها بدلًا من أن تفعل هي ذلك!
وما بين خوفي من فقدانك وخوفي من الحفاظ عليك، كنت أفقدك شيئًا فشيئًا..
كنت تنساب من بين أصابعي كما تفلت أيدي الصغار من الأمهات في الزحام!
أخاف رقتك، لأنني معها أشعر ان الهواء مسؤوليتي، على الهواء ألّا يجرح رقتك!
ما من شيء لم يُفزعني في هذه الحياة، حتى أبواب الأمان!
اسألك، لماذا علي ان اطمئن؟
هذه الحياة تقتل الظمآن، والناجي بعد النجاة، وتلعن ظهر البعير بعد ان تقسمه
هذه الحياة لا تنفك عن لَيّ قلبك، وعن كَيِّه،
باليأس مرة، وبالأمل مرات!
لماذا علي أن اطمئن؟!
انهم يصعقون الميّت بالكهرباء حتى يعود!
لماذا علي ان أصالح هذه الحياة؟
ان اعيشها، مضطرةً، لانني كنت، رغم أني لم أختَر ذلك!
لماذا علي أن أقبلها حتى تحلو لي؟
تمرّ فوق قلبي هذه الحياة!
تمرّ كجرّافة فوق ماء عذب!
ماء عذب يقاوم كل غبار، وكل قطرة ندى، حتى يتأكد من مصدرها، ومن كنهها
يقاوم كل آسن!
يقاوم كل نضح!
حتى ينتهي مجروفًا!
ماء عذب ينتهي به المطاف على عجلات جرّافة جائرة!
لماذا علي أن احتملها؟
لماذا يعيش الحكماء على ظهر آلامنا؟
بل لماذا ينتهي ماؤنا العذب على عجلات جرّافاتهم؟
لماذا علي أن أتعامل برفق وحكمة مع أصنام الأمل والتفاؤل؟
هذه الحياة أسوء من جاثوم النوم، لأنها تجثم على قلبك في صحوك، في صباحاتك،
تجلس على قلبك مثل سلحفاة بيتها ليس على ظهرها!
في كل صباح أعي أننا لم نعد كما السابق..
في كل صباح أعي أنني فقدت ظهري وقلبي معًا!
في كل صباح أعي أني فقدتك وأكثر ما يؤلمني أني لن استطيع مصارحتك بذلك وأن هذا الكلام بكل ما فيه من صدق وألم لن يعيدك إلي ربما، لانك سلوت، ولأنك تدعو الله ألا يعيدك لأيامٍ مظلمة، ولأنني أتحسس بطحة ليست على رأسي أصلًا!
وأقول إنك تقصدني بهذا الكلام!
تشكو أيامًا مظلمة!
ماذا يفعل من عمره مُظلم؟!
ماذا يفعل مَنْ لوّثت هذه الحياة ماءه العذب؟
من جرّحت هذه الحياة رقته؟
ماذا يفعل من لم تُرِه هذه الحياة من البحر إلا لُجّته؟!
في كل صباح أتحسس مكانك في قلبي، وأعي كيف امتلأ بالاسئلة، بالاستفهامات، كيف أَحلْتَ الماء الآسن إلى قلبي
كيفَ فتحته فمررت إليه كل ما قاومته طيلة هذا العمر!
لست أنت، أعرف، أنت أرقُ مني علي، وأرق مني معي!
لكنني معك أحببت كل شيء وصالحت الأيام، صالحتُ العمر، ثم فجأة وعلى حين غرّة استغلت هذه الحياة مصالحتي لها وعوّضت لي كل مرارة قاومتها!
فتحتَ قلبي على مصراعيه..
أحتاج ألا أبكيك كما أفعل منذ شهرين، ونعم لن تُصدّق ذلك!
بكيت..
بكيتك،
بكيتك كثيرًا حد أني لم أصدّق انني أملك كل هذه الدموع!
فتحتَ مآقيّ!
فتحت مجرى للدموع!
منذ شهرين والبكاء، والمآقي، كلها كلها، تغافلني!
أجدني أبكي وأعرف في أعمق نقطة مني أنك أنت السبب، مهما أنكرتُ ذلك علنًا وسرًّا!
أعرف أنك السبب وراء هذه الدموع، وراء غزارتها، ووقاحتها ورعونتها!
يفاجئني استحقاقها العالي، تمردها، وقتها!
كلُ شيء بي يفاجئني من بعدك!
ربما لانك تستحق،
ربما انتظرتك عمرًا حتى تذرفك
ربما تحتاج مآقينا ما يستحق!
أحتاج ألا أكتبك!
لكن..
سامحني..
هذه طريقتي في الخلاص، هذا أماني الوحيد، وهذا ما أراهن عليه وأنجح، هذه حيلتي في التفوّق على آلامي!
سامحني لأني كتبتك، وسأسامحك لأنك فتحت مآقيّ
لأنك عرّفتني على دموعي
هآ أنت تتصرف بشيءٍ خاصٍ بي، كما تمنيتَ وأردت دائمًا، عينيّ الآن تبكيان، وكأنهما تعتذران عن شيء ما!
ربما عن تعطلهما لفترة من الزمن!
هآ أنت تقدر على ما لم يقدر عليه أحد، ولا أعرف هل أحبك لذلك أو أحقد عليك!
سامحني، لأن ما أكتبه سيجرحك ربما
ستجرح كتابتي قطرةَ مطر حنونة
ستجرح كتابتي أرقّ ما عرفت وكتبت
سامحني، لأني لست سلحفاة تملك بيتها على ظهرها، تستطيع الرحيل متى أرادت!
أنا ماء عذب تجرحني حتى رقتك!
وتجرحني أفكارك عني، وما لم تقله لكنني أُحِسّه كما أحس ثقل الهواء بيننا الآن!
يجرحني أني لم أعد أجيد بناء حوارات بيننا، لأنك هدّمت الأمان، ولأنني دائمّا سأفكر بكلماتك قبل أن أبادر وأبدأ!
علي ألّا أكتب عنا أكثر، حتى لا تعرف أنك المقصود وأعرف أنك ستعرف!
لكن عِبءَ الأشهر الماضية أثقل هذه المرة من جلَادتي
عبء المحبّة، وعبء الأمان، وعبء الصباح، وعبء أنك لم تقل!
وحدي مَنْ فعلتْ!
عبء أني أرقت ماء قلبي وذلّلتهُ لكنه لم يكفيك ويرضيك!
علي ألا أبكيك رغم أنك ستسعد اذا عرفت انني أبكيك وأكتبك؛ أخيرًا ملكت فيّ ما لم أملكه، حتى أنا، في نفسي!
أترجى الكتابة وأتشفقها منذ أن طالبتك بالحقيقة، ولاحقتها طمعًا بالأمل!
طمعًا بأن يخيب ظني!
ففي الكتابة أعرف عمقك، وإلى أيّ الاماكن وصلتْ.
الآن، وبعدما كتبتْ أعرف أنك وصلت عينيّ، وقلبي، ورأسي، فاطمئن.
تعليقات
إرسال تعليق