فراشة وفيل وصيّاد
مرحبا عزيزي
هذه
المرة ليست كاكاو
هذه
المرة قهوة
لا
تحبها، أعرف ذلك، ولا تتقن صنعها، وبالطبع أيضًا تقديمها.
لا
يتقن الناس تقديم ما لا يصنعون، لا يعرف ذلك إلا صاحبه الفعليّ؛ مَنْ أعدّه
وجهّزه،
إذ
يختلف الأمر فيمن صنعَ وضَبّطَ وقَدّم مقارنة مع مَن استلّ دور البطولة واقتحمه،
فقط
لأنه يتماهى مع خشبة المسرح أكثر ويليق بها!
يختلف
الأمر كثيرًا..
تمنعني
كمية الكافيين التي شربتها من اغفال عَيني لحظة!
وتمنعني أيضًا من تجاهلها
أجاري
نفسي مجاراة، حتى استمرّ للصباح
وسأكون
صريحةً معك..
لا أشربها
لأني أحبها، بل لأني افتقدها!
وسأكون
صريحة أكثر وأقول لك، أحافظُ على عادتي بشربها مُرّة حتى لا أستَسيغَ طعمها،
وحتى
لا تربطني بها علاقة، وتصبح رغبتي فيها حاجة!
لماذا
يُغيّر البشر فيما يقولون ويُحبّون؟
لماذا
يُفلسفونه؟
ولماذا
أفعل أنا مثلهم؟!
أخبرك عن القهوة في البداية حتى أخبرك الآن هنا في لحظةٍ غير مناسبة أبدًا!
أنني متعبة..
وأفعل
مثلما يفعل مسؤولوا هذه البلاد، ينسبون لأنفسهم ما لَن يكون لهم أبدًا، وانا فعلت
مثلهم، نسبتهم للبلاد!
وهذه البلاد، كلها، على امتدادها واتّساعها، ليست لهم ولن
تكون!
إذ لا يعرف الراحة من لم يجرّب القهر!
لا يعرف البلاد مَن لم تكوِ قلبه!
عزيزي..
إنه
الفجر
تعرفني، وتعرف كم أحبّ شروقها وغروبها،
وتحرقني اشعّتها دائمًا؛ لأنني أحبُّ ان
أعاينها وجهًا لوجه
وتعرف
أكثر كم أُحبُّ الليل وأحب مصاحبته، فالليل لا يؤذيك حين تصاحبه، حسبه تركك
لنفسك
فقط!
القهوة
تفعل مالا تقدر عليه أكواب الكاكاو
تجعلني
احكي وانا لا أحب الحكايات، لا أفهمها، لم يُكتب لي ان أكون حكّاءة!
أنا
إنسان ظل، انسان كواليس، لست انسان مسرح
إن
خشبة المسرح تُشكّل انزلاقا خطيرًا لمن هم مثلي، ولا تقل لي ما تقوله دائما
علي أن
أُعنى بأدوارِ البطولة وألاحقها، لأننا في عصر البطولات والانجازات، والانسان
الحكّاء، الذي إذا لَم يتحدث عن نفسه، فسيتحدث عن الناس الذين يتحدثون عنه!
لا
تعنيني البطولات، صدقني!
إننا
نُغفلُ الدوافع دائمًا، نُغفل الظلّ، ونجهلُ كم أن مَن هم وراء الستارة، كل
الحكاية
القهوة
تجعلني أحكي وانا لا أحب
لا
أريد
إن
الكلام يفعل بي كما يفعل السوط بالجلّاد، يجعله لا يريد التوقف، أعطِ سوطًا لانسان
أو
سلطة وسترى أبشع مافي النفس البشرية!
إنك
حين تقول شيئًا تكون مضطرًا لان تقول أكثر، توضّح، وتُصحّح، وتشرح، وأنا لا
أريدُ.
صحيح
ان عدم الكلام عِبِء ولكنه عِبءٌ أتحمله وحدي!
لا أستطيع
أن أعطي كلامي لمن هُم حولي أو حتى أبعد، لن يصبحوا فمي، ولا أنا
سأصبحه حتى!
بخصوص
ما لم أخبرك في البداية، وكما أجعلُ الكتابة حجّتي إليك دائمًا..
قلِقة،
أحمل قلق صيّاد يعيش في مكان لا يمكنه الصيد فيه
أحمل
قلق فيل في صالة للضيوف، وكل الأعين تراقبه وتراقب تحرّكاته، ولربما تصوّره
وتكتب
تعليقًا سخيفًا عنه!
بل
حتى ربما يفتحونَ بشأنه نقاشا تحليليا، يستضيفون فيه مَن يختصّ بعلم السلوك
والحركة، بل ربما يأتون بفرويد نفسه عبر تقنية الهولوجرام!
عن
نفسي كنت سأجمع قلق الفيل والصيّاد جنبًا إلى جنب، وقلق أمي تراقب صالة
ضيوفها من
بعيد...
قلِقة
لاني أكتب لك!
وقلِقة
من رغبتي في ذلك!
ولا أستطيع تحليل هذهِ الرغبة بما يُفضي إلي، ويُجيبني عن سببها المُلِّح مؤخرًا!
الانسان
يا إلهي كم تشقّ عليه إجاباته!
كم
تشق عليه دوافعه وأسبابه!
كم
تشق عليه رغبة الصيّاد ورغبة الفيل، المحشور في غرفةٍ لا تسعه!
ما
الانسان؟
رغبة
أم دافع؟ أم كومةٌ من ليل ونهار؟
قلت
لك، إن القهوة تجعلني أحكي وأنا لا أريد أن أفعل بنفسي كما تفعل الفراشة مع الفيل،
تلاعبه حتى تُدميه!
تطرحه
أرضًا، لأنها أرادت أن تلاعبه!
أرغب
بالكلام، لأني أريد الكتابة لك، والكتابة لك على وجه الخصوص
هل
يدرك الفيل حجمه؟
هل
يعرف كم أننا اليوم نكره الأعباء؟
وكل ما هو كبير علينا عِبء، وكل مالا تطوله
أيدينا عِبء!
يُبتلى الانسان بمقاسات أوسعَ عن الحياة، أوسع بكثيرٍ مما يُسمحُ له!
مثل
الشمس التي أجاريها أملًا ألا تحرقني، وتفعل في كل مرة!
لا
أكتب هذا لأقول لك إنني متعبة من الكواليس، وأريد خشبة المسرح، أو حتى لأنني أريد
مسرحًا بلا ستائر، لا تغطي فيه الستارة على أحد، بل لأنني متعبة من المسرحِ كلّه!
أو
مثلا حتى أقول لك إنني متعبة من دور الفيل وحجمه!
أو
أنني متعبة من خطواته الثقيلة البطيئة!
أو
حتى لأن خطواته غير محسوبة ومعروفة.
بل
لانني متعبة من الفراشات التي تدور حوله، تقتله دون ان تدري، حتى وإن كانت تنوي
بذلك ملاعبته!
على
الفيل أن يُقرّر ما الذي يُناسبه، إذا كُن يلاعبنه، أو يقتلنه، دون قصد طبعا!
او
حتى لاقول لك إن غريزة الصيّاد في صدري تتعبني
او أن
صالة الضيوف تتعبني، وأنا الآن أريد شرفة، فيها شروق وغروب، وشمس ظهيرة
تحرقني وأفتقدها،
فيها ليل أكتب لك فيه.
كل
هذا لا يعنيني، صدقني!
يعنيني
الآن اني أريدُ أن اسلّمك هذا المفتاح
مفتاح
نظيف لم يشاركنِي فيه أحد، ولم أغامر بنسخةٍ منه لأحد!
لا
يمكنني ان ائتمن الناس والزُوّار على فيل ومسرح ولا أن ائتمن الصياد على الناس، لا
أأمن غريزته وإن ألبستُها ثوب المدينة!
هذا
مشهد كامل من حياتي، لا أستطيع أن أجعل للناس حضورًا أو دورًا فيه
لا
استطيع أن ائتمن الناس ولو من باب المشاركة، مع أنني أفتح الباب من فترة لأخرى
كما تعرف، وأسمح للجميع بملاعبة الفيل وسؤال الصيّاد
إلا انه
حين يُغلق، يُغلق بقوّة!
ولا
أعرف هل هذا من فعل الفيل وفراشاته أو من فعل الصيّاد، الذي تكيّف مع كونه
يعيش
في صالة ضيوف تملؤه بالوَحشة!
لا
أعرف أيُّ قوةٍ وراء هذا الباب!
وفي كل
مرة يُغلق فيها، أشعر أنه يُغلق على أصابعي، وتضيق الغرفة ويتساقط بعض من
طلاء
الحائط، وأسمع تذمرات من هم على خشبة المسرح، تعرف، مَن هم أمام الستارة
يزعجهم
الغلق، خصيصًا إذا كنت تغلق عليهم
إنهم ينزعجون لأنك لم تُصفّق لهم أو تضم
يديك لهم بامتنان!
لكن من
هم وراء الستارة اعتادوا الوراء بكل مأساته، فلن يعترضوا أو يستفسروا عن
غلق الباب
عليهم في كل مرة، فقد اعتادوا غلق اشياء كثيرة عليهم!
قلت
لك، القهوة تجعلني حكّاءة وانا أكره ذلك
أقول
لنفسي إنهِ هذا النصّ وعودي إلى مراجعة ما درست ولكنني وصلت حيث لا أعرف
وحيث لا
يمكنني أن اقول هنا. توقّفي. النهاية.
الكتابة
لحوحة؛ تفعل فعل المطر مع حاجز صخريّ، تقنعك أن الحاجز سيمنع الصخور من
السقوط أو سيقلل حتى من نسبة سقوطها!
ثم تعتذر منك، لأنها لا تعرف حالة الجو اليوم
ولا في أيّ يوم!
تقنعك
أن حاجزا يكفي، وأن شتاء حزيران لن يؤثر، لأنه حزيران لا آب!
ليس
لدي ما أخبرك به، وربما كل هذا النص مُفتعل، حتى ادّعي فأكتب!
الكتابة
ادّعاء، تلويحة ناجحة دائمًا!
تعليقات
إرسال تعليق