تقول لي دائما إنك وسميحة وُلدتما في أوّل العام أو ان هذا التاريخ وُضع لكما بعدما هُجّرتما في النكسة
تقول لي هذا كلما سألتها ورغم أني اعتدت هذه الإجابة، أسألها دائمًا!تقول لي هذا وتبدأ بسرد الظلم الذي عانيته، من يُتمك إلى عنايتك بأخواتك، ثم كل مَنْ جاورك، من أصغرهم إلى أكبرهم
تقول هذا وتسرد لي أنك ما أهملت نفسك، بل اعتنيت بها واكملت العناية بكل مَنْ حولك، حتى بعد أن فقدت اعضاء حيوية من جسمك، أو بشكل أدق بعدما ذابت في نفسها
اسمحلي أن اذكُرك أنا الآن كما أتذكر وكما أحبّ ان أتذكر، أحلى ما يمنحنا إيّاه الراحلون، حلاوة ذكرهم
لو أنك هنا الآن تعرف كم نطرب لذكرك
لو أنك هنا لَما فارقتُ رأسك، أُقبّله وأعدّ الشيب فيه
نحبك جدًا ونُحب أن نقول كلماتك، وان نُكرّر حكاياتك، نُحب أن نلفّ رؤوسنا معًا وبصوتٍ واحدٍ نقول: "هاي ريحة سيدو"!
نُحبّك صدقني! وأعرف انك ستفعل
حتى لو قلت لك إنها تحرّرت، ستصدقني!
تقول لي إن عُمرك وعمرها قُدّرا وهما بالفعل كذلك، قُدّر أن تلاقيها وهي تكبرك ولديها طفل، وتتزوجها
قُدّر عمركما قبل أن تُخلقا وقُدّر لي ربعه معكما وما زاد عن ربعه في ظلّكما وفيما تركتماه لي
هذا نص عن النكسة، قلت لنفسي قبل ان اشرع في تذكّر ما أودُّ كتابته بالفعل وما أودُّ استثناءه، وما تجرحني كتابته، وما تجرحك مجاهرته مع الآخرين
هذا نص عن النكسة، كلما حاولته خرجا إليكما وعنكما!
تؤنبني يداي كلما جعلته عن غير ذلك!
تطرق أيّامي ذكرياتكما فأسال عنها مَن عايشوها معي
اتأكد من الذكرى!
اتأكد من "حوش" البيت الذي قصصتما فيه علينا كل قصصكما التي اختلفتما عليها، وعلى أحداثها كثيرًا
اتأكد من أول شتاء لي معكما، من أول يوم في المدرسة
اتأكد من "لفّة" الزعتر اللاذع
اتأكد من يقظتي على كل ما عشته معكما
ألملم اللحظات وأضمّها، تبرّد على قلبي كثيرًا
كلما خرج هذا النص عن غايته تقرصني يدي، تنّبهني أن ألتزم، بما يجب أن أُخلّده عنكما
كيف قدّروا أعماركم بعد النكسة، كيف غيّرت النكسة تاريخَ ميلادك وميلادها
كيف قتل الاحتلال حورية وكيف منع اسعافها
كيف صَفَّت عروسٌ جديدة دَمها حتى آخرِ قطرة!
وكيف خبأتما هذه القصة ولم تقولاها!
كيف أوجعكما التذكّر فآثرتماه
آثرتماه عَنّا، نحن، مَنْ يجب أن نتذكّر
لا تملّ من ذكرك، وتمرر لي كل حكاياتك أو خراريفك _كما تُحبّ أنت تسميتها_ بخفّةٍ وظرافة لا تعرف كلتانا أينَ تعلّمتها!
تُمرّر لي الشوك بدون أن تجرحني، تخيّل!
كما قشرتَ لي الصبر مرّات ومرّات، تُمرّر لي أمي حكاياتك بدون أن تجرحني
كيف طبقت الوصيّة ولم تُصالح، ولم تعد ولم تزر، وكنت تُقيم الحُجّة على هذا العالم بقولك " حتى آخر يهودي يا سيدي"
رفضت رغم اشتياقك للبلاد ورغبتك الملّحة بأن يحتضنك ترابها وبأن تكون هي مثواك الأخير
عرّفتني قيمة التذكر، إذ إن الذاكرة لا تعني أي شيء بدون همٍّ طويل وأمر جلل، ورغبة مُلّحة في الثأر، ان نصبر ونسلو في النيل من اعدائنا، هكذا يكون صبرنا وسلواننا، في القِصاص، هذا عين الصبر وسلوانه بالنسبة لك
تعليقات
إرسال تعليق